منتديات ناصر عبدالناصر التعليمية

منتدى تعليمى فى الجغرافيا والتاريخ
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 في خصائص الحضارة الإسلامية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ناصر عبدالناصر
Admin
avatar

عدد الرسائل : 274
العمر : 43
الموقع : nasserabdelnasser.worldgoo.com
تاريخ التسجيل : 19/02/2009

مُساهمةموضوع: في خصائص الحضارة الإسلامية   الجمعة مايو 29, 2009 1:16 am

لقد تحرك المسلمون إلى العالم ، وعبر فترة قصيرة ـ نسبيا ـ من الزمن ، تمكنوا من صياغة حضارة تميزت بتلك الأصالة التي تستمد ديمومتها من تحصين الذات وعدم الذوبان في الكيانات الغريبة التي تدمر شخصية الجماعة المسلمة وتلغي ملامحها وسماتها . ولكنها لم تنغلق يوما على معطيات الحضارات الأخرى ، بل فتحت صدرها دونما عقد ولا حساسيات على العالم الواسع ، وأخذت وتمثلت كل ما هو إيجابي فعال في بنية المعارف البشرية كافة .



لقد كانت الحضارة الإسلامية قديرة على الاستجابة للتحديات ، لا تنكمش دونها ولا تهرب إزاءها ، بل تقابلها عبر مواجهة حوارية : تخبرها جيدا ، تفككها إلى عناصرها الأولية ، تمتحن هذه العناصر ، تحيلها إلى تكوينها الإسلامي وبنيتها المستمدة من الوحي والوجود معا ، فتأخذ ما يتلاءم مع هذا التكوين وتمنحه القدرة على النمو والامتداد ، وترفض وتبعد ، وتستثني ما يعرقل حركة النمو ويضع في طريقها العوائق والعثرات .



إن تاريخ الحضارة الإسلامية هو تاريخ حوار إيجابي فعال مع الحضارات الأخرى .. تاريخ سلسلة من التحديات والاستجابات . وقد كانت هذه الحضارة قديرة ، في معظم الأحيان ، على تنويع أنماط الاستجابة بأكبر قدر من التكيف والمرونة ، واحتواء العناصر الإيجابية لدى الغير .. هضمها وتمثلها ، وتحويلها إلى مادة بنائية في صيرورة الحضارة الإسلامية تعين على النمو ، والتنوع ، والغنى ، والامتداد .



ثالثا : وهي حضارة التوازن الفريد الذي يعد ملمحا من أهم ملامحها وأكثرها خصوصية وارتباطا بشخصيتها الإسلامية .



التوازن في سائر الاتجاهات ، وعلى الجبهات كافة. إنه بأطرافه المتقابلة وثنائياته المتوافقة ، بمثابة السدى واللحمة في النسيج .. هذا التوازن الذي يتصادى هنا وهناك ، في النظرية والتطبيق على السواء .. إنه في صميم فكر الإسلام وفي قلب صيرورته الحضارية .



إن القرآن الكريم يقولها بوضوح : ) وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ( ( البقرة : 143 ) . والوسطية هنا ليست موقعا جغرافيا ، ولكنها موقف عقدي ، وإستراتيجية عمل ، ورؤية نافذة لموقع الإنسان المؤمن في الكون والعالم .. إنها القدرة الدائمة على التحقق بالتوازن ، وعدم الجنوح صوب اليمين أو الشمال ، ومن خلال هذه القدرة يتحقق مفهوم الشهادة على الناس ، لأنها تطل عليهم من موقع الإشراف المتوازن الذي لا يميل ولا يجور .



ورغم أن هذا التوازن قد تعرض ، على المستوى التاريخي ، للتأرجح بين الحين والحين، إلا أنه في إطار التجربة الإسلامية يظل ، بين سائر التجارب الأخرى في العالم ، أكثرها وضوحا وتألقا .

إنها الحضارة التي قدرت ، انطلاقا من رؤيتها هذه ، على أن تجمع في كل متناسق واحد : الوحي والوجود ، والإيمان والعقل ، والظاهر والباطن ، والحضور والغياب ، والمادة والروح ، والقدر والاختيار ، والضرورة والجمال ، والطبيعة وما وراءها ، والتراب والحركة ، والمنفعة والقيمة ، والفردية والجماعية ، والعدل والحرية ، واليقين والتجريب ، والوحدة والتنوع ، والإشباع والتزهد ، والمتعة والانضباط ، والثبات والتطور ، والدنيا والآخرة ، والأرض والسماء ، والفناء والخلود .

ونريد أن نقف قليلا عند واحدة من توازنات الحضارة الإسلامية ، وهي ( الوحدة والتنوع ) . فلقد قدم التاريخ الإسلامي في نسيج فعالياته الحضارية نموذجا حيويا على التناغم بين هذين القطبين اللذين ارتطما وتناقضا في الحضارات الأخرى ، ووجدا في الإطار الإسلامي فرصتهما الضائعة للتلاؤم والانسجام .

فالحضارة الإسلامية هي ـ من ناحية ـ حضارة الوحدة التي تنبثق عن قاسم مشترك أعظم من الأسس والثوابت والخطوط العريضة بغض النظر عن موقع الفعالية في الزمن والمكان ، وعن نمطها وتخصصها. وهي ـ من ناحية أخرى ـ حضارة الوحدات المتنوعة بين بيئة ثقافية وأخرى في إطار عالم الإسلام نفسه ، بحكم التراكمات التاريخية التي تمنح خصوصيات معينة لكل بيئة ، تجعلها تتغاير وتتنوع فيما بينها في حشود من الممارسات والمفردات .

إنها جدلية التوافق بين الخاص والعام ، تلك التي أكدها القرآن الكريم في الآية : ) يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى ، وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا .. ( ( الحجرات : 13 ) وهو يتحدث عما يمكن تسميته بالأممية الإسلامية التي تعترف بالتمايز بين الجماعات والشعوب والأمم ، ولكنها تسعى لأن تجمعها في الوقت نفسه على صعيد الإنسانية . وهي محاولة تختلف في أساسها عن الأممية الشيوعية التي سعت ـ ابتداء ـ وبحكم قوانين التنظير الصارمة إلى إلغاء التنوع ومصادرته وإلى تحقيق وحدة قسرية ما لبثت أن تأكد زيفها وعدم القدرة على تنفيذها تاريخيا بمجرد إلقاء نظرة على خارطة الاتحاد السوفيتي ( المنحل ) حتى قبل حركة ( البرسترويكا ) والرفض المتصاعد الذي جوبهت به الأممية الشيوعية من قبل حشود الأقوام والشعوب التي تنتمي إلى بيئات ثقافية متنوعة . ومقارنة هذا بما شهده التاريخ الإسلامي من تبلور كيانات ثقافية إقليمية متغايرة في إطار وحدة الثقافة الإسلامية وثوابتها وأسسها الواحدة وأهدافها المشتركة ، يتبين مدى مصداقية المعالجة الإسلامية لهذه الثنائية كواحدة من حشود الثنائيات التي عولجت بنفس القدرة من الواقعية في الرؤية والمرونة في العمل.

لقد شهد عالم الإسلام أنشطة معرفية متمايزة وثقافات شتى على مستوى الأعراق التي صاغتها عربية وتركية وفارسية وهندية وصينية ومغولية وزنجية وأسبانية .. إلخ ، كما شهدت أنماطا ثقافية على مستوى البيئات والأقاليم : عراقية وشامية ومصرية ومغربية وتركستانية وصينية وهندية وأفريقية وأوربية شرقية وأسبانية وبحر متوسطية .. إلخ .. وكانت كل جماعة ثقافية تمارس نشاطها المعرفي بحرية وتعبر من خلاله عن خصائصها، وتؤكد ذاتها ، ولكن في إطار الأسس والثوابت الإسلامية .. بدءا من قضية اللغة والأدب وانتهاء بالعادات والتقاليد ، مرورا بصيغ النشاط الفكري والثقافي بأنماطه المختلفة . ولم يقل أحد أن هذا خروج عن مطالب الإسلام التوحيدية ، كما أن أحدا لم يسع إلى مصادرة حرية التغاير هذه . وفي المقابل فإن أيا من هذه المتغيرات لم تتحول ـ إلا في حالات شاذة ـ إلى أداة مضادة لهدم التوجهات الوحدوية الأساسية لهذا الدين.

إننا إذا استعرضنا في الذهن منظومة الكيانات السياسية في التاريخ الإسلامي ، أو ما أطلق عليه اسم ( الدويلات الإسلامية ) التي تجاوزت في عددها العشرات ، من مثل الأدارسة والأغالبة والمرابطين والموحدين والحفصيين وبني حماد في المغرب والجزائر وتونس ، والطولونيين والإخشيديين والفاطميين والأيوبيين والمماليك في مصر والشام .. والحمدانيين والمرداسيين والعقيليين والأتابكة في الجزيرة والشام .. والصليحيين وبني زبيد وبني نجاح في اليمن .. والطاهريين والصفارين والزيديين والسامانيين والغزنويين والسلاجقة والغوريين والخوارزميين في المشرق .. فإننا سنجد من وراء التمزق السياسي أو بموازاته ، تغايرا في التعبير الثقافي ولكن في دائرة الإسلام ، وسنجد كذلك حماسا لم يفتر عما كان عليه أيام وحدة الدولة الإسلامية ، لتحقيق المزيد من المكاسب لهذا الدين وعالمه : نشرا للإسلام في بيئات جديدة ، وقتالا للكفار والخارجين على الحدود ، وتوسيعا للسلطة الإسلامية فيما وراء الثغور ، وتعزيزا وإغناء للقيم الحضارية الإسلامية التي تلتقي على المبدأ الواحد والمصير المشترك . أي ـ باختصار ـ وكما أطلق عليها المستشرق المعروف ( فون غرونباوم ) في كتاب أشرف على تحريره بالعنوان نفسه : حضارة الوحدة والتنوع.

_________________
مع ارق امنياتى بالتوفيق والنجاح

ناصر عبد الناصر
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://nasserabdelnasser.worldgoo.com
 
في خصائص الحضارة الإسلامية
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات ناصر عبدالناصر التعليمية :: الفئة الأولى :: منتدى الجغرافيا البشرية :: الفئة الثانية :: منتدى التاريخ-
انتقل الى: